شرح معنى فراسة المؤمن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شرح معنى فراسة المؤمن

مُساهمة من طرف moi في السبت مايو 08, 2010 1:33 pm

((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله))


السؤال

رجل يسأل عن حديث: ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)) هل هو حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن رواه، وما معنى الفراسة المذكورة؟ ونرجو أن تشرحوا لنا شرحًا وافيًا عن الفراسة، وأنواعها.؟


الجواب

الحديث الذي سألتم عنه رواه الترمذي في "جامعه"[1]، وقال: حديث غريب. ولفظه: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله))، ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]. هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. وقد روي عن بعض أهل العلم في هذه الآية {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} قال: للمتفرسين. انتهى[2].

والفِراسة من التفرس بالشيء، كالتوسم، وهي خاطر يهجم على القلب، ويثب عليه وثوب الأسد على فريسته. هذا أصل اشتقاقها، وهي أنواع متعددة، وتختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، وقوة القلب، وصفائه، وقوة الإيمان، وضعفه، ومنها ما يتعلق بالمتفرس خاصة، ومنها فراسة الحكام والولاة لاستخراج الحقوق لأربابها، وقمع الظلمة.


وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ في "الطرق الحكمية" من أنواع الفراسة وأفرادها أشياء عجيبة. وقال في "تاج العروس شرح القاموس"[3]: والفراسة ـ بالكسر ـ اسم من التفرس، وهو التوسم، يقال: تفرس فيه الشيء إذا توسمه. وقال ابن القطاع: الفراسة بالعين إدراك الباطن، وبه فسر الحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)). وقال الصاغاني: لم يثبت، قال ابن الأثير يقال بمعنيين: أحدهما: ما دل ظاهر الحديث عليه، وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه؛ فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات، وإصابة الظن، والحدس. والثاني: نوع يعلم بالدلائل، والتجارب، والخلق ، والأخلاق، فتعرف به أحوال الناس، وللناس فيه تآليف قديمة وحديثة.

وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في "مدارج السالكين" في الكلام على الفراسة[4]: قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}... فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين، ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم، أورثه ذلك فراسة، وعبرة، وفكرة. وقال تعالى في حق المنافقين: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، فالأول: فراسة النظر والعين، والثاني: فراسة الأذن والسمع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ يقول: علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة، ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبرًا مؤكدًا بالقسم، فقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}، وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام، ومغزاه. واللحن ضربان: صواب، وخطأ، فلحن الصواب: نوعان: أحدهما: الفطنة، ومنه الحديث ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض))[5]، والثاني: التعريض والإشارة، وهو قريب من الكناية، ومنه قول الشاعر:

وحـديث ألذه وهو ممـا يشتهي السامعون يوزن وزنا

منطق صائب ويلحن أحيا نا وخير الحديث ما كان لحنا


والثالث: فساد المنطق في الإعراب. وحقيقته تغيير الكلام عن وجهه، إما إلى خطأ، وإما إلى معنى لم يوضع له اللفظ... فإن معرفة المتكلم، وما في ضميره من كلامه أقرب من معرفته بسيماه، وما في وجهه. فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر والسماع. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله))، ثم تلا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.

والفراسة ثلاثة أنواع:

إيمانية:... وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، ... والصادق والكاذب. وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضاده، يثب على القلب وثوب الأسد على الفريسة، ... وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا، فهو أحد فراسة،... وقال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ، ويقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وظاهره باتباع السنة، وتعود أكل الحلال، لم تخطئ فراسته... وقال ابن مسعود[6] ـ رضي الله عنه ـ أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [يوسف: 21]، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: {اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وأبو بكر في عمر ـ رضي الله عنهما ـ حيث استخلفه، وفي رواية أخرى: وامرأة فرعون، حين قالت: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} [القصص: 9].

وكان الصديق ـ رضي الله عنه ـ أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيء: (أظنه كذا)، إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع المعروفة...


وأصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور، اللذين يهبهما الله لمن يشاء من عباده؛ فيحيا القلب بذلك، ويستنير؛ فلا تكاد فراسته تخطئ. قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122]....

الفراسة الثانية: فراسة الرياضة، والجوع، والسهر، والتخلي. فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وكثير من الجهال يغتر بها، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي، من جنس فراسة الولاة، وأصحاب تعبير الرؤيا، والأطباء، ونحوهم. وللأطباء فراسة معروفة، من حذقهم في صناعتهم، ومن أحب الوقوف عليها، فليطالع تاريخهم، وأخبارهم. وقريب من نصف الطب فراسة صادقة، يقترن بها تجربة...

الفراسة الثالثة:
الفراسة الخلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخُلق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره، وبسعة الصدر، وبُعْد ما بين جانبيه على سعة خلق صاحبه، واحتماله، وبسطته، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها، وضعف حرارة قلبه، وبشدة بياضها مع إشرابه بحمره ـ وهو الشكل ـ على شجاعته، وإقدامه، وفطنته، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته، ومكره، وخداعه. ومعظم تعلق الفراسة بالعين؛ فإنها مرآة القلب، وعنوان ما فيه، ثم باللسان؛ فإنه رسوله وترجمانه. وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته، وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته، وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة، وبإفراطه في الجعودة على الشر، وباعتداله على اعتدال صاحبه.

وأصل هذه الفراسة أن اعتدال الخِلقة والصورة هو من اعتدال المزاج والروح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال، هذا إذا خُليت النفس وطبيعتها...

وفراسة المتفرس تتعلق بثلاثة أشياء: بعينه، وأذنه، وقلبه. فعينه للسيماء والعلامات. وأذنه للكلام، وتصريحه وتعريضه، ومنطوقه ومفهومه، وفحواه وإشارته، ولحنه وإيمائه، ونحو ذلك. وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه، فيعبر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النقاد من ظاهر النقش والسكة إلى باطن النقد، والاطلاع عليه، هل هو صحيح أو زغل، وكذلك عبور المتفرس من ظاهر الهيئة والدل إلى باطن الروح والقلب، فنسبة نقده للأرواح من الأشباح كنسبة نقد الصيرفي، ينظر للجوهر من ظاهر السكة والنقد...

وللفراسة سببان:

أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.


والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان، لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.

وكان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة، وله الوقائع المشهورة، وكذلك الشافعي ـ رحمه الله ـ وقيل: إن له فيها تآليف. ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أمورًا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سفرًا ضخمًا... إلى آخر كلام ابن القيم في "مدارج السالكين".



[1] الترمذي (3127) وغيره، وهو حديث لا يصح مرفوعًا، وإنما هو قول عمرو بن أبي قيس: كان يقال: اتقوا... فذكره. انظر: العقيلي (4/129).
[2] البراز 04/3632) "كشف الأستار" و"مسند" الشهاب (2/1005، 1006) وابن جرير في "التفسير" (13/46 حلبي).
[3] مادة (ف ر س).
[4] انظر (2/482).
[5] البخاري (2458، 2680، 6967، 7169، 7181، 7185) ومسلم (1713).
[6] الطبري (12/176) و"مصنف" ابن أبي شيبة (14/574) وابن أبي حاتم 12/81، 221) والحاكم (2/345، 3/90) والطبراني في "الكبير" (9/185) وابن كثير في "التفسير" (4/306).

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
مصدر الفتوى: فتاوى ابن عقيل - (ج 1/ ص 90) [ رقم الفتوى في مصدرها: و في الاخير اقول لكم فوق كل ذي علما عليما و الفراسة تبقى من اسرار الخالق عز وجل

moi
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد الرسائل : 52
عدد النقاط : 21466
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 25/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح معنى فراسة المؤمن

مُساهمة من طرف سلسبيل32 في الخميس مايو 13, 2010 1:19 pm

avatar
سلسبيل32
مشرف
مشرف

عدد الرسائل : 1573
تاريخ الميلاد : 12/02/1990
العمر : 27
عدد النقاط : 26939
السٌّمعَة : 33
تاريخ التسجيل : 03/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح معنى فراسة المؤمن

مُساهمة من طرف moi في الخميس مايو 13, 2010 1:31 pm

و فيكي بركة

moi
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد الرسائل : 52
عدد النقاط : 21466
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 25/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح معنى فراسة المؤمن

مُساهمة من طرف Mustapha Mek في الخميس مايو 13, 2010 4:08 pm


شـــكرا لــك
على الــــموضوع القيم
بـــــــــارك الله
فيــك








موقع مكاوي سوفت معا نحو الأفضل ، إضغط على الصورة




avatar
Mustapha Mek
مشرف مميز
مشرف مميز

عدد الرسائل : 2431
تاريخ الميلاد : 05/05/1988
العمر : 29
الموقع : الأبيض س.ش
العمل/الترفيه : مصمم جرافيك
المزاج : عادي
عدد النقاط : 25684
السٌّمعَة : 25
تاريخ التسجيل : 28/11/2009

http://mekkaouisoft2.forumactif.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شرح معنى فراسة المؤمن

مُساهمة من طرف moi في الخميس مايو 13, 2010 7:15 pm

العفو و فيك بركة ان شاء الله

moi
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد الرسائل : 52
عدد النقاط : 21466
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 25/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى