ذكرى لمن كان له قلب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف أبو همام في الإثنين يناير 03, 2011 12:50 pm


((ذكرى لمن كان له قلب )) ـ الجزء(95) سورة الأحزاب (3)

قال تعالى : ((أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوبِ أقفالها)) ,((كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكرأولوالألباب ))


ولما ذكر أن المنافقين، عاهدوا اللّه، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين به،

فقال‏:‏ ‏[ 23] {‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته‏.

‏{‏فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ‏}‏ أي‏:‏ إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل اللّه، أو مات مؤديًا لحقه، لم ينقصه شيئًُا‏.‏
‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ‏}‏ تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد‏.‏

‏{‏وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا‏}‏ كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على العهد، لا يلوون، ولا يتغيرون، فهؤلاء، الرجال على الحقيقة، ومن عداهم
فصورهم صور رجال، وأما الصفات، فقد قصرت عن صفات الرجال‏.‏

‏{‏لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ بسبب صدقهم، في أقوالهم، وأحوالهم، ومعاملتهم مع اللّه، واستواء ظاهرهم وباطنهم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏
{‏هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا‏}‏ الآية‏.‏

أي‏:‏ قدرنا ما قدرنا، من هذه الفتن والمحن، والزلازل، ليتبين الصادق من الكاذب، فيجزي الصادقين بصدقهم ‏{‏وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ‏}‏
الذين تغيرت قلوبهم وأعمالهم، عند حلول الفتن، ولم يفوا بما عاهدوا اللّه عليه‏.‏

‏{‏إِنْ شَاءَ‏}‏ تعذيبهم، بأن لم يشأ هدايتهم، بل علم أنهم لا خير فيهم، فلم يوفقهم‏.‏
‏{‏أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ بأن يوفقهم للتوبة والإنابة، وهذا هو الغالب، على كرم الكريم، ولهذا ختم الآية باسمين دالين على المغفرة، والفضل
والإحسان فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحيمًا‏}‏ غفورًا لذنوب المسرفين على أنفسهم، ولو أكثروا من العصيان، إذا أتوا بالمتاب‏.‏

‏{‏رَحِيمًا‏}‏ بهم، حيث وفقهم للتوبة، ثم قبلها منهم، وستر عليهم ما اجترحوه‏.‏
‏{‏وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا‏}‏ أي‏:‏ ردهم خائبين، لم يحصل لهم الأمر الذي كانوا حنقين عليه، مغتاظين قادرين‏}‏عليه‏[‏ جازمين
بأن لهم الدائرة، قد غرتهم جموعهم، وأعجبوا بتحزبهم، وفرحوا بِعَدَدِهمْ وعُدَدِهِمْ‏.‏

فأرسل اللّه عليهم، ريحًا عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت مراكزهم، وقوَّضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم اللّه بالرعب، فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر اللّه لعباده المؤمنين‏.‏

‏{‏وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ‏}‏ بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية، ‏{‏وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا‏}‏ لا يغالبه أحد إلا غُلِبَ
ولا يستنصره أحد إلا غَلَبَ، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته‏.‏

‏{‏وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ‏}‏ أي عاونوهم ‏{‏مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ‏}‏ أي‏:‏ اليهود ‏{‏مِنْ صَيَاصِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أنزلهم من حصونهم
نزولاً مظفورًا بهم، مجعولين تحت حكم الإسلام‏.‏

‏{‏وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ‏}‏ فلم يقووا على القتال، بل استسلموا وخضعوا وذلوا‏.‏ ‏{‏فَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}‏ وهم الرجال المقاتلون
‏{‏وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا‏}‏ مَنْ عداهم من النساء والصبيان‏.‏

‏{‏وَأَوْرَثَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ غنَّمكم ‏{‏أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا‏}‏ أي‏:‏ أرضا كانت من قبل، من شرفها وعزتها عند أهلها
لا تتمكنون من وطئها، فمكنكم اللّه وخذلهم، وغنمتم أموالهم، وقتلتموهم، وأسرتموهم‏.‏

‏{‏وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا‏}‏ لا يعجزه شيء، ومن قدرته، قدَّر لكم ما قدر‏.‏
وكانت هذه الطائفة من أهل الكتاب، هم بنو قريظة من اليهود، في قرية خارج المدينة، غير بعيدةوكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
‏[‏حين‏}‏ هاجر إلى المدينة، وادعهم، وهادنهم، فلم يقاتلهم ولم يقاتلوه، وهم باقون على دينهم، لم يغير عليهم شيئًا‏.‏

فلما رأوا يوم الخندق، الأحزاب الذين تحزبوا على رسول اللّه وكثرتهم، وقلة المسلمين، وظنوا أنهم سيستأصلون الرسول والمؤمنين
وساعد على ذلك، ‏[‏تدجيل‏}‏ بعض رؤسائهم عليهم، فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ
ومالؤوا المشركين على قتاله‏.‏

فلما خذل اللّه المشركين، تفرغ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقتالهم، فحاصرهم في حصنهم، فنزلوا على حكم
سعد بن معاذ رضي اللّه عنه، فحكم فيهم، أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم‏.‏

فأتم اللّه لرسوله والمؤمنين، المنة، وأسبغ عليهم النعمة، وأَقَرَّ أعينهم، بخذلان من انخذل من أعدائهم، وقتل من قتلوا،
وأسر من أسروا، ولم يزل لطف اللّه بعباده المؤمنين مستمرًا‏.‏

[‏28 ـ 29‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏

لما اجتمع نساء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت
ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، شَقَّ ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا‏.‏

فأراد اللّه أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويُذْهِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال‏:‏
‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها
وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال‏.‏

‏{‏فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ‏}‏ شيئا مما عندي، من الدنيا ‏{‏وَأُسَرِّحْكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ أفارقكن ‏{‏سَرَاحًا جَمِيلًا‏}‏
من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي‏.‏
‏{‏وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ‏}‏ أي‏:‏ هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لَكُنَّ اللّه ورسوله والجنة
لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول اللّه بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه،

‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ رتب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك
لا لكونهن زوجات للرسول فإن مجرد ذلك، لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان، فخيَّرهن رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك، فاخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، كلهن، ولم يتخلف منهن واحدة، رضي اللّه عنهن‏.‏

وفي هذا التخيير فوائد عديدة‏:‏

منها‏:‏ الاعتناء برسوله، وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية‏.‏

ومنها‏:‏ سلامته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع
‏{‏مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏}‏

ومنها‏:‏ تنزيهه عما لو كان فيهن، من تؤثر الدنيا على اللّه ورسوله، والدار الآخرة، وعن مقارنتها‏.‏
ومنها‏:‏ سلامة زوجاته، رضي اللّه عنهن، عن الإثم، والتعرض لسخط اللّه ورسوله‏.‏
فحسم اللّه بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه‏.‏
ومنها‏:‏ إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان اللّه ورسوله والدار الآخرة، مرادهن ومقصودهن دون الدنيا وحطامها‏.‏
ومنها‏:‏ استعدادهن بهذا الاختيار، للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة‏.‏

ومنها‏:‏ ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد اللّه أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات
‏{‏وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ‏}‏
ومنها‏:‏ أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة، التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه‏ .

[‏30 ـ 31‏]‏ ‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا‏}‏

لما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة، ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن وإثمهن، لو جرى منهن، ليزداد حذرهن،
وشكرهن اللّه تعالى، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة، لها العذاب ضعفين‏.‏

‏{‏وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ تطيع ‏{‏لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا‏}‏ قليلا أو كثيرًا، ‏{‏نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ مثل ما نعطي غيرها مرتين، ‏{‏وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا‏}‏ وهي الجنة، فقنتن للّه ورسوله، وعملن صالحًا، فعلم بذلك أجرهن‏.‏

[‏32 ـ 34‏]‏ ‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا *
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ‏}‏ خطاب لهن كلهن ‏{‏لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ‏}‏ اللّه، فإنكن بذلك، تفقن النساء
ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها‏.‏

فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏}‏ أي‏:‏ في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك
وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع ‏{‏الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ أي‏:‏ مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه
لأن قلبه غير صحيح ‏[‏فإن القلب الصحيح‏}‏ ليس فيه شهوة لما حرم اللّه، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الاسباب
لصحة قلبه، وسلامته من المرض‏.‏

بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته
ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد‏.‏ فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح
ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول‏.‏

ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا‏}‏ أي‏:‏
غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع‏.‏
وتأمل كيف قال‏:‏ ‏{‏فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ‏}‏ ولم يقل‏:‏ ‏{‏فلا تَلِنَّ بالقول‏}‏ وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل
وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم
فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح اللّه رسوله باللين، فقال‏:‏
‏{‏فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ‏}‏ وقال لموسى وهارون‏:‏ ‏{‏اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏}‏

ودل قوله‏:‏ ‏{‏فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا
أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه
ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض‏.‏
فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر
وسؤال اللّه العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به‏.‏

‏{‏وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‏}‏ أي‏:‏ اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، ‏{‏وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى‏}‏ أي‏:‏
لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه‏.‏

ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها ‏[‏لحاجة‏}‏ النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة، الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد‏.‏

ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال‏:‏ ‏{‏وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ يدخل في طاعة اللّه ورسوله، كل أمر، أُمِرَا به أمر إيجاب أو استحباب‏.‏

‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ‏}‏ بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، ‏{‏لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏}‏ أي‏:‏ الأذى، والشر، والخبث
يا ‏{‏أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏}‏ حتى تكونوا طاهرين مطهرين‏.‏

أي‏:‏ فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد اللّه
أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم‏.

ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال‏:‏
‏{‏وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ‏}‏ والمراد بآيات اللّه، القرآن‏.‏ والحكمة، أسراره‏.‏ وسنة رسوله‏.‏ وأمرهن بذكره
يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله‏
‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا‏}‏ يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر‏.‏

فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة اللّه على تلك الأعمال‏.‏

[‏35‏]‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏

لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعقابهن ‏[‏لو قدر عدم الامتثال‏}‏ وأنه ليس مثلهن أحد من النساء
ذكر بقية النساء غيرهن‏.‏

ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ‏}‏ وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها‏.‏
‏{‏وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله‏.‏

‏{‏وَالْقَانِتِينَ‏}‏ أي‏:‏ المطيعين للّه ولرسوله ‏{‏وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ‏}‏ في مقالهم وفعالهم ‏{‏وَالصَّادِقَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالصَّابِرِينَ‏}‏
على الشدائد والمصائب ‏{‏وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ‏}‏ في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم
‏{‏وَالْخَاشِعَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالْمُتَصَدِّقِينَ‏}‏ فرضًا ونفلاً ‏{‏وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ‏}‏ شمل ذلك، الفرض والنفل‏.‏
‏{‏وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ‏}‏ عن الزنا ومقدماته، ‏{‏وَالْحَافِظَاتِ‏}‏ ‏{‏وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ ‏[‏كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏‏}‏ في أكثر الأوقات،
خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات ‏{‏وَالذَّاكِرَاتِ‏}‏


‏{‏أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب
وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن
فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان‏.‏

فجازاهم على عملهم ‏{‏بِالْمَغْفِرَةً‏}‏ لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات‏.‏ ‏{‏وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏
لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم‏.‏

المصدر :المكتبة الإسلامية تفسيرالسعدي: (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)
avatar
أبو همام
عضو مميز
عضو مميز

عدد الرسائل : 226
عدد النقاط : 20244
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 10/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف نورالدين عفان في الإثنين يناير 03, 2011 11:24 pm

السلام عليكم ورحمة الله....شكرا أخي ابو همام نقلت لنا فائدة عظيمة بارك الله لك وعليك وفيك جاهدت نفسي لان تقرأ هذا الموضوع لاننا صرنا نميل الى الاختصار والتبسيط وسرعة الطرح.........الدال على الخير كفاعله ربي يحفظك سلاااام
avatar
نورالدين عفان
عضو
عضو

عدد الرسائل : 38
الموقع : ورقلة
العمل/الترفيه : الاقامة الجامعية
المزاج : إنبساطي جدا
عدد النقاط : 19730
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 31/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف smahi في الثلاثاء يناير 04, 2011 7:55 pm

بارك الله فيك أخي أبو همام
avatar
smahi
عضو مميز
عضو مميز

عدد الرسائل : 442
عدد النقاط : 27550
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف قطر الندى في الأربعاء يناير 05, 2011 12:13 am

جزاك الله كل خير عن موضوعك


avatar
قطر الندى
مشرف مميز
مشرف مميز

عدد الرسائل : 2427
تاريخ الميلاد : 01/01/1985
العمر : 32
الموقع : http://english4all.3oloum.org
العمل/الترفيه : teacher
المزاج : ambitious
عدد النقاط : 28009
السٌّمعَة : 21
تاريخ التسجيل : 15/05/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف أبو همام في الأربعاء يناير 05, 2011 2:56 pm

avatar
أبو همام
عضو مميز
عضو مميز

عدد الرسائل : 226
عدد النقاط : 20244
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 10/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف KAMEL في الأربعاء يناير 05, 2011 7:04 pm

شكرا لك أخي أبو همام وبارك الله فيك
avatar
KAMEL
المــدير العـــام
المــدير العـــام

عدد الرسائل : 2081
عدد النقاط : 41349
السٌّمعَة : 12
تاريخ التسجيل : 27/05/2008

http://smahi.montadamoslim.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف أبو همام في الخميس يناير 06, 2011 10:53 am


بارك الله فيك أخي كمال وأحسن إليك

avatar
أبو همام
عضو مميز
عضو مميز

عدد الرسائل : 226
عدد النقاط : 20244
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 10/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف صدام26 في الثلاثاء مارس 15, 2011 9:28 am

مشكور اخي الهمام
يعطيكم العافيه
avatar
صدام26
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد الرسائل : 72
تاريخ الميلاد : 21/02/1982
العمر : 35
العمل/الترفيه : عامل
المزاج : طيب
عدد النقاط : 19558
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 25/01/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ذكرى لمن كان له قلب

مُساهمة من طرف المشرف العام في الجمعة أبريل 08, 2011 3:08 pm




لا إلـــــــه إلا الله محمـــــــــد رســــــــول الله
avatar
المشرف العام
المــدير العـــام
المــدير العـــام

عدد الرسائل : 1483
تاريخ الميلاد : 08/12/1991
العمر : 25
الموقع : smahisoft.alafdal.net
العمل/الترفيه : الإدراة و الإشراف
المزاج : مميز و رائع
عدد النقاط : 38252
السٌّمعَة : 24
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

http://smahisoft.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى